image de directeur

كلمة المدير العام

إذا كان الرأي العام المغربي يتطلع إلى قضاء فعّال، مستقل وذي جودة، قادر على صون الحقوق والحريات، وتحقيق الأمن القضائي، ومواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع والاقتصاد، فإن بلوغ هذا المبتغى يمر، في جانب أساسي منه، عبر مؤسسة المعهد العالي للقضاء، باعتبارها الفضاء المؤسسي المخصص لإعداد القضاة وتأهيلهم، وتنمية كفاءاتهم المهنية والعلمية والأخلاقية.

وقد عزز القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء مكانة هذه المؤسسة، من خلال إعادة تنظيمها على أسس جديدة، باعتبارها شخصا اعتباريا من أشخاص القانون العام يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، بما يتيح لها الاضطلاع بمهامها في إطار حكامة مؤسساتية واضحة، وتدبير حديث يستجيب لمتطلبات الجودة والنجاعة والاستمرارية.

فلم يعد دور المعهد مقتصرا على التكوين الأساسي لفائدة الملحقين القضائيين، بل أصبح يضطلع بمنظومة متكاملة من الاختصاصات التي تشمل التكوين الأساسي لفائدة الملحقين القضائيين، والتكوين الأساسي لفائدة المهنيين والموظفين المعينين في السلك القضائي، والتكوين التخصصي والتكوين المستمر لفائدة القضاة، فضلا عن التكوين في مجال الإدارة القضائية، وإنجاز الدراسات والأبحاث والنشر في الميادين القانونية والقضائية، وتطوير التعاون مع المؤسسات والهيئات الوطنية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وهي اختصاصات تؤكد أن المعهد أصبح فاعلا مركزيا في تطوير منظومة العدالة، وفي بناء قضاء قادر على مواكبة المستجدات التشريعية والقضائية والمجتمعية.

إن هذه الرؤية تندرج في إطار التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى إصلاح القضاء وتخليقه وعصرنته وترسيخ استقلاله، ليس فقط من أجل إحقاق الحقوق ورفع المظالم، وإنما كذلك من أجل توفير مناخ الثقة باعتباره محفزا أساسيا للتنمية والاستثمار. وقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في خطابه السامي بمناسبة عيد العرش المجيد بتاريخ 30 يوليوز 2013، أن إصلاح القضاء يشكل مدخلا ضروريا لترسيخ الثقة في المؤسسات، وتعزيز جاذبية المغرب للاستثمار، وتحقيق التنمية المستدامة.

ومن هذا المنطلق، فإن تأهيل القاضي لا يقتصر على تلقينه المعارف القانونية والنصوص التشريعية، بل يقتضي بناء شخصية قضائية متكاملة، تجمع بين الكفاءة العلمية، والقدرة على التحليل والتعليل، والاستقلال في اتخاذ القرار، والالتزام بأخلاقيات المهنة، وحسن التواصل، والانفتاح على التحولات الرقمية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، أولى القانون رقم 37.22 أهمية خاصة لجودة التكوين، من خلال إحداث لجنة علمية يعهد إليها بإعداد الدليل المرجعي لضمان جودة التكوين، والتقييم الدوري لبرامج ومناهج التكوين والتداريب، وتحديد معايير اختيار المكونين، وإعداد برامج التكوين ذات الصلة بالأخلاقيات القضائية.

كما كرس القانون مكانة الأخلاقيات في مسار إعداد القاضي، من خلال إحداث لجنة للأخلاقيات تتولى إعداد مدونة أخلاقيات الملحق القضائي، وتتبع مدى احترامها، ووضع آليات لتطبيقها وتقييمها. ويشكل ذلك تجسيدا لوعي المشرع بأن جودة العدالة لا تقاس فقط بسلامة الأحكام من الناحية القانونية، بل تقاس أيضا بما يتحلى به القاضي من نزاهة وتجرد وتحفظ واستقامة ومسؤولية مهنية.

ويحتل التكوين الأساسي مكانة محورية ضمن مهام المعهد، باعتباره المرحلة التي يتم خلالها إعداد الملحق القضائي لممارسة مهامه المستقبلية. وقد نص القانون على أن مدة التكوين تمتد، من حيث الأصل، إلى سنتين، تجمع بين الدراسة داخل المعهد والتدريب التطبيقي بالمحاكم والإدارات والهيئات والمؤسسات والمقاولات العمومية. كما يشارك الملحقون القضائيون، خلال فترة تدريبهم بالمحاكم، تحت إشراف القضاة المؤطرين ومراقبة المسؤولين القضائيين، في مختلف أوجه النشاط القضائي، بما في ذلك مساعدة قضاة النيابة العامة، ومساعدة قضاة التحقيق، وحضور الجلسات والمشاركة في المداولات دون حق التصويت.

وقد حرص المشرع كذلك على إرساء تكوين متخصص يستجيب لحاجيات التخصصات القضائية، حيث يمكن برمجة تكوين تخصصي لفائدة الملحقين القضائيين خلال النصف الثاني من فترة التكوين الأساسي، لتغطية الخصاص في بعض المجالات القضائية. كما يمكن للمعهد برمجة أسلاك للتكوين التخصصي لفائدة القضاة في مجالات محددة، تتوج بشهادات تسلم للمستفيدين، بما يعزز الاحترافية ويضمن تكوين قضاة قادرين على التعامل مع القضايا ذات الطبيعة التقنية أو المركبة.

ولا يقل التكوين المستمر أهمية عن التكوين الأساسي، إذ يهدف إلى تمكين القضاة الممارسين من تطوير معارفهم ومهاراتهم وخبراتهم العلمية والمهنية، ومواكبة الاجتهاد القضائي والمستجدات التي تعرفها المنظومة القانونية. وقد جعل القانون المشاركة في دورات التكوين المستمر إلزامية، انسجاما مع طبيعة الوظيفة القضائية التي تفرض التجدد المستمر في المعرفة، والقدرة على استيعاب التحولات التشريعية والقضائية والرقمية.

كما أفرد القانون مجال الإدارة القضائية بعناية خاصة، باعتبارها ركيزة أساسية لتحسين أداء المحاكم وتجويد الخدمات القضائية. فالمسؤولون القضائيون الجدد يتلقون تكوينا خاصا في هذا المجال، كما يستفيد المسؤولون القضائيون الممارسون من تكوينات مستمرة، إلى جانب نواب المسؤولين القضائيين وفئات أخرى من القضاة. ويعكس ذلك إدراكا متزايدا لأهمية التدبير الحديث للمحاكم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين التنظيم الداخلي، وتطوير الأداء الإداري والمالي، بما ينعكس إيجابا على فعالية العدالة وقربها من المرتفقين.

إن المعهد العالي للقضاء، في ظل القانون رقم 37.22، لا يمثل مجرد مؤسسة للتكوين، بل يشكل رافعة استراتيجية لتطوير العدالة، ومجالا لإنتاج المعرفة القانونية والقضائية، وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون الوطني والدولي. كما يمكنه إبرام اتفاقيات شراكة وتعاون مع المؤسسات الجامعية والأكاديمية الوطنية والدولية، وتنظيم دورات تكوينية لفائدة القضاة والأطر القضائية الأجنبية، بما يرسخ إشعاعه العلمي والمؤسساتي، ويعزز حضور التجربة القضائية المغربية في محيطها الإقليمي والدولي.

إن الرسالة التي يضطلع بها المعهد رسالة نبيلة وثقيلة في الآن ذاته، لأنها ترتبط بإعداد القاضي الذي يحمل أمانة الفصل في النزاعات، وحماية الحقوق والحريات، وترسيخ سيادة القانون. وهي رسالة تتطلب انخراطا جماعيا من القضاة، والمكونين، والأطر الإدارية والتقنية، وكافة الشركاء، من أجل جعل المعهد العالي للقضاء رافعة حقيقية لصناعة الجودة والتميز القضائي.

وإن المعهد العالي للقضاء، وهو يواصل أداء مهامه في ظل التحولات الكبرى التي تعرفها منظومة العدالة، مدعو إلى تجديد أدواته البيداغوجية، وتطوير برامجه التكوينية، وتعزيز انفتاحه على البحث العلمي والرقمنة والتعاون الدولي، بما يضمن تكوينا قضائيا حديثا، متجددا، ومتوافقا مع انتظارات المجتمع المغربي.

إنها مسؤولية جسيمة، لكنها أيضا فرصة تاريخية لبناء قضاء مغربي أكثر كفاءة وفعالية واستقلالا، قضاء يحقق العدالة في بعدها القانوني والإنساني، ويعزز ثقة المواطن في مؤسساته، ويسهم في تحقيق التنمية والاستقرار والأمن القضائي.

ذ عبد الحنين التوزاني

المدير العام للمعهد العالي للقضاء